الشيخ محمد آصف المحسني
36
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وأمّا ما ذكره هؤلاء الفضلاء فالواقع على خلافه فإنّ موسى ( ع ) من أهل زمان خضر وهارون ( ع ) مع أنه أفضل منهما ، وإبراهيم ( ع ) من أهل زمان لوط ( ع ) وهو أفضل منه . وخضر لاختصاصه ببعض الجهات أفضل من موسى في تلك الجهة . ثم إنّ أصل الدليل القائم على أفضلية النبي غير تام عندنا ، ويظهر وجهه لمن راجع ما ذكرناه حول حديث الترجيح بلا مرجّح « 1 » فإنّه يعرف أن تقديم أحد المتساويين على الآخر إذا كان طبيعي الفعل لازماً وذا ملاك ليس بقبيح ولا بمحال « 2 » فالبرهان المذكور لا يثبت إلا عدم كون النبي مفضولًا . ولا ينبغي الغلو والمبالغة في المباحث العلمية لا سيّما الاعتقادية . نعم ، الأمر في الخارج كما ذكروا ، قال الله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ « 3 » فكون الأفضلية شرطاً شيء ، وكون النبي خارجاً أفضل شيء آخر . وعلى الجملة : مقتضى الحكم العقلي عدم مفضولية المبعوث من المبعوث إليهم وممّن يصحّ بعثه إليهم ؛ لئلّا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح ، لكنّ الله حيث أعطاه العصمة جعله أفضل أهل زمانه سوى المعصومين الآخرين ، بل الأفضلية ثابتة له من أوّل رشده بناءً على أنه معصوم من أول العمر كما عليه مشهور الإمامية . وأمّا نبيّنا الأكرم وأوصياؤه الكرام فهم أفضل من جميع البشر قاطبة كما سيأتي دلائله ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . الشرط الثالث : كمال العقل والذكاء والفطنة « 4 » وقوّة الرأي وعدم السهو ذكرها جمع منهم المحقق الطوسي ( قدس سره ) في تجريده .
--> ( 1 ) - الجزء الأوّل في بحث الحكمة . ( 2 ) - ولذا ورد في بعض الروايات تساوي الحسنين ( عليهماالسلام ) في الفضل مع أن الحسن ( ع ) كان إماماً في حين أنّ الحسين ( ع ) لم بإمام . وأما بناء على قولهم فيلزم أفضلية الحسن ( ع ) مع أنها غير مقطوعة وسيأتي بحثها . ( 3 ) - الأنعام 6 / 64 - 86 . ( 4 ) - قيل الفرق بين الذكاء والفطنة أن الأول أخصّ من الثاني فإنّ الذكاء شدّة قوّة نفس معدّة لاكتساب الآراء ، وتسمّى هذه القوّة الذهن ، وجودة تهيّئها لتصوير ما يرد عليها من الغير ، الفطنة . وقيل الذكاء سرعة الانتقال ، والفطنة عدم الوقوع في الغلط في مغالطات والمباحثات .